محمد بن جرير الطبري
5
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الشجر . القول في تأويل قوله تعالى : وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ . . . يَنْظُرُونَ يقول تعالى ذكره : وفي ثمود أيضا لهم عبرة ومتعظ ، إذ قال لهم ربهم ، يقول : فتكبروا عن أمر ربهم وعلوا استكبارا عن طاعة الله . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَعَتَوْا قال : علوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ قال : العاتي : العاصي التارك لأمر الله . وقوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ يقول تعالى ذكره : فأخذتهم صاعقة العذاب فجأة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وهم ينتظرون ، وذلك أن ثمود وعدت العذاب قبل نزوله بهم بثلاثة أيام وجعل لنزوله عليهم علامات في تلك الثلاثة ، فظهرت العلامات التي جعلت لهم الدالة على نزولها في تلك الأيام ، فأصبحوا في اليوم الرابع موقنين بأن العذاب بهم نازل ، ينتظرون حلوله بهم . وقرأت قراء الأمصار خلا الكسائي فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بالألف . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ ذلك " فأخذتهم الصعقة " بغير ألف . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن السدي ، عن عمرو بن ميمون الأودي ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ " فأخذتهم الصعقة " الصاعقة ، وكذلك قرأ الكسائي . وبالألف نقرأ الصاعقة لإجماع الحجة من القراء عليها . القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ . . . مِنْ قَبْلُ . . . فاسِقِينَ يقول تعالى ذكره : فما استطاعوا من دفاع لما نزل بهم من عذاب الله ، ولا قدروا على نهوض به . كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ يقول : ما استطاع القوم نهوضا لعقوبة الله تبارك وتعالى . حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ قال : من نهوض . وكان بعض أهل العربية يقول : معنى قوله : فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ فما قاموا بها ، قال : لو كانت فما استطاعوا من إقامة ، لكان صوابا ، وطرح الألف منها كقوله : أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً . وقوله : وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ يقول : وما كانوا قادرين على أن يستقيدوا ممن أحل بهم العقوبة التي حلت بهم . وكان قتادة يقول في تأويل ذلك ما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ قال : ما كانت عندهم من قوة يمتنعون بها من الله عز وجل . وقوله : وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ اختلفت القراء في قراءة قوله : وَقَوْمَ نُوحٍ . . . نصبا . ولنصب ذلك وجوه : أحدها : أن يكون القوم عطفا على الهاء والميم في قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ إذ كان كل عذاب مهلك تسميه العرب صاعقة ، فيكون معنى الكلام حينئذ : فأخذتهم الصاعقة وأخذت قوم نوح من قبل . والثاني : أن يكون منصوبا بمعنى الكلام ، إذ كان فيما مضى من أخبار الأمم قبل دلالة على المراد من الكلام ، وأن معناه : أهلكنا هذه الأمم ، وأهلكنا قوم نوح من قبل . والثالث : أن يضمر له فعلا ناصبا ، فيكون معنى الكلام : واذكر لهم قوم نوح ، كما قال : وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ونحو ذلك ، بمعنى أخبرهم واذكر لهم . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة والبصرة " وقوم نوح " بخفض القوم على معنى : وفي قوم نوح عطفا بالقوم على موسى في قوله : وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ . والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان في قراءة الأمصار ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وتأويل ذلك في قراءة من قرأه خفضا